كلمة الصدر وصيّة ميّت

مقالات 25 مارس 2017 0 6
كلمة الصدر وصيّة ميّت
+ = -

أحمد عبد الحسين

تعالوا أحدثكم عن “كتاب المحنة”
………..

أمس ألقى السيد مقتدى الصدر كلمة مقتضبة في ساحة التحرير ببغداد أمام أكثر من مليون متظاهر أتوا من سائر محافظات العراق.
الكلمة مختلفة هذه المرة لأنها كانت أشبه ما يكون بوصيّة، وصيّة ميّت.
سيقول مناكفون فيسبوكيون وأفراد من جيوش إلكترونية أنها أتتْ لاستعطاف الجموع وإحداث إثر وجدانيّ لديهم. لكن من يعرفْ الصدر، ومن يعرفْ خصومه أيضاً يعرف أن الرجل صادق وأن التهديد حقيقيّ وجديّ ويمكن أن يحدث في أية لحظة.

محاولات قتل

قد أكشف سراً الآن حين أقول أن السيد مقتدى الصدر تعرّض فعلاً للاغتيال أثناء عودته من زيارته الأولى للتحرير في طريقه إلى النجف، أصيب بعض أفراد حمايته حين انقلبت سيّارة من السيارات المرافقة له بعد إطلاق النار على موكبه. قلّة يعرفون هذا. لا الصدر ولا أحد من مقربيه شاء الإعلان عن ذلك. “أعطي للمناكفين طواعية فرصة أن يقولوا أن كتاب محاولات اغتيال السيّد سيصدر قريباً”!
الصدر معرّض فعلاً للاغتيال. وضع نفسه بمواجهة أباطرة مالٍ وعصابات دولية وإقليمية تعمل على مشروع نهب العراق بمعونة دولة جارة ومباركة دول قريبة وبعيدة. وليس سراً أن هؤلاء مستعدون لارتكاب أي جرمٍ مهما كانت فظاعته لإدامة مشروعهم، خاصة إذا كان هذا الجرم مصحوباً بفتوى ممن يرونه واجب الطاعة.
تراجيديا
ربما يكون الصدر الرجل الأكثر تراجيدية في المشهد اليوم. يمكن لهذا الرجل أن يعيش حياة أكثر تنعماً من خصومه، يمكن له أن يكون أغناهم وأكثرهم سلطة ونفوذاً وأقربهم إلى أسيادهم أنفسهم، هو الأكثر جماهيرية وله جمهور كبير لا يمكن وصف علاقتهم به إلا بوصف واحد: العشق. إنهم يعشقونه إلى الحدّ الذي يضعهم في مواقف تربك الناس وتجعلهم يسخرون منهم ويستهزئون بهم، لكنْ من يلوم الإنسان على وجدانه؟
حين يقال أن للصدر جمهوراً ينبري آخرون ليقولوا أن لخصومه جمهوراً أيضاً ويحاججون بالانتخابات مثلاً. والأمر مختلف قطعاً. فارق كبير بين الجمهور السياسيّ والجمهور الانتخابيّ. فارق شاسع بين جمهور لا يتذكر قائده إلا عشر ثوانٍ كل أربع سنوات يغطّ فيها أصبعه في المحبرة لينتخبه، وجمهور يتابع تحركات هذا القائد كلّ حين ويغيّره ويوجهه حيث يريد ويحدث كلّ حين أثراً فكرياً ووجدانياً فيه وينشئ معهم مشروعاً يتطوّر بشكل يكاد يكون يومياً، لا يمكن أن تساوي هذا الجمهور بجمهور شخصٍ آخر كلّ مشروعه أن يُنتَخب ليراكم ثروته خدمة له ولعائلته ولدولةٍ تدعمه. هذا الأمر عندي بديهيّ وإنْ ناكف كثيرون للتعمية عليه.

كتاب المحنة
تراجيديا الصدر عميقة. ورث بامتياز هذا المسّ الطُهرانيّ ـ العرفانيّ من أبيه وعمه الشهيدين “محمد صادق ومحمد باقر” اللذين قُتلا وهما في خضمّ تراجيدياهما الخاصة. حين كتب محمد باقر الصدر “كتاب المحنة” قبيل استشهاده كان مخيّراً بين أن يصبح المرجع الأكبر بأموال طائلة ونفوذ كبير مقابل الصمت في السرداب لا أكثر، وبين قتله وأخته وأتباعه. وتعرفون باقي الحكاية. ومن يقرأ “كتاب المحنة” يعرف أن الخطاب متوجّه فيه إلى العراق، كتاب يلخص محنة العراق ذلك الوقت، ليس فيه من “تعاليم إسلامية” أو “طائفية” وفيه “يتنبأ” الصدر بقتله، حكاية رجل سائر إلى الموت برجليه من أجل هدف وطنه.

أريد أن أموت
ذات تراجيديا محمد محمد صادق الصدر، الذي كان الجميع يعلم أنه سيُقتل، رسل الموت كانت تترى عليه وهو يخوض في كلّ ما يعجّل موته مصراً على المضيّ في مشروعه. قبيل مقتله كان جمع من المعممين العراقيين في قمّ وطهران يباركون مقتله ويدعون إلى التخلّص منه سريعاً، سمّوه بعثياً وصدامياً وشاقاً لصفوف الشيعة وعدواً للمراجع، وهو في كلّ ذلك كان يمتاز عنهم بأن في خطابه مسّاً من عراقية افتقدها الجميع. سُئل يوماً هل تريد قيام دولة إسلامية فقال (لا أبقاني الله لمثل هذا اليوم)، تراجيديا تصبح مكتملة تماماً إذا صدقنا رواية أحد أخلص أتباعه الذي سأله (سيدنا ماذا تريد بالضبط؟) أجاب (أريد أن أموت). وأنا شخصياً أصدّق هذه الرواية.
آل الصدر ليسوا منذورين للموت مجاناً، وليست هذه التراجيديا مفتعلة، إنها جزء من “كتاب المحنة” الذي لم تنته فصوله بعدُ، الكتاب الذي نقرأه يومياً ونخطئ في فهمه وتدبّر معناه ولا ننتبه له ولمغزاه إلا على رؤية مسيل دمٍ صدريّ جديد.

وقائع موت معلن

من قرأ رواية ماركيز “وقائع موت معلن” سيجد عنواناً جامعاً مانعاً لهذه التراجيديا الصدرية. كان محمد باقر الصدر يعرف أنه سيُقتل. الحكومة تعرف أنها ستضطر لقتله. أتباعه يعرفون أنه سيُقتل، الدول كلها تعرف أن هذا الرجل سيقتل، لم يفعل أحد شيئاً لإيقاف ما سيحدث، كأنه القدَر، والأهم من كلّ ذلك أنه هو شخصياً لم يفعل شيئاً لإيقاف مصيره، لأنّ “المحنة” وضعته في موقف أصبح فيه كلّ خيار آخر غير القتل لا يليق بمحمد باقر الصدر. حياة ومواقف كهذه يجب أن تنتهي نهاية كهذه.
محمد صادق الصدر، أعاد نفس التراجيديا في نفس المحنة، أضيف فصل جديد لكتاب المحنة، هل كان أحد يشكّ في أن الرجل سيُقتل؟ كان هو متيقناً من ذلك “بل كان يريد الوصول إليه حثيثاً”، السلطة كانت تعرف أن لا منجى من محمد الصدر إلا بالتخلص منه جسدياً، فمشروع الرجل مخيف، لا يريد تغيير الحكومة ولم يسع لذلك، كان يريد عميقاً تغيير الشعب ونجح أيما نجاح. والعالم كله كان يعرف أنه سائر إلى حتفه بسعادة، أتباعه يعرفون و”نظراؤه” من المعممين كانوا بانتظار نبأ مقتل “مرجع الشروكية”، الذي سمّته صحيفة “المبلغ الرساليّ” في طهران خائناً وعميلاً لصدام قبيل مقتله بأيام. “وقائع موت معلن” كان هذا الرجل الذي سماه الفقراء “الليث الأبيض” وحده من يملك إيقافه، لكنه كان في ذات المحنة، في ذات التراجيديا العراقية الأقسى من تراجيديا الإغريق: “كلّ خيار آخر متاح سوى خيار القتل لا يجعله محمد صادق الصدر بل شخصاً آخر أقلّ بكثير مما كان عليه ومما هو عليه الآن في التأريخ والنفوس معاً”.

عن السلّة والذلّة
لست كثير الولع بالتاريخ لأذكّر بأن هذا الموقف التراجيديّ هو الموقف الذي كان فيه الحسين بن عليّ المتيقّن من قتله وسبي نسائه “شاء الله أن يراهنّ سبايا”، كان جميع من حوله يعرفون كيف ستنتهي الحكاية بسهم مثلث ورأس مقطوع ونار تأكل الخيام ولم يفعل أحد شيئاً. كان على الجميع أن يصمت لتكتمل التراجيديا.
ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يستعيد مقتدى الصدر “كتاب المحنة” ذاته بالكلمة الموجزة “بين السلّة والذلة” التي قالها ذلك الرجل الغريب الذي خطّ عنوان كتاب المحنة وكتب أول فصوله”. والذلة لا تليق برجل يريد أن يصنع تراجيديا تحفر عميقاً في وجدان الناس.

قلوب مليئة بالرمل
سيسخر كثيرون مما قاله الصدر، ومما أكتبه هنا، وستمنحهم أعراف الفيسبوك طاقة على تتفيه كلّ موقف بالسخرية والقفشات المضحكة، وهم يوقنون أن الصدر في فم الموت حقاً، بل أن كلّ الأسماء البارزة في هذا الاحتجاج قد تلحق به تباعاً، أنفسهم تستيقن ذلك حقاً، لكنهم في موقف لا يليق به إلا عدم الاهتمام وتتفيه كلّ شيء فقد صمموا حياتهم كلّها على هذه الشاكلة.

ماذا في كلمة الصدر؟
كانت كلمة الصدر في التحرير وصيّة ميّت فماذا جاء فيها؟
يجب استمرار الاحتجاجات، ويجب أن تظلّ سلمية. لا انتخابات إلا بقانون عادل ومفوضية نزيهة. لا سلاح خارج إطار الدولة. لا يجب أن تستقوي الفصائل العائدة من الموصل “بعد تحريرها” بسلاحها للهيمنة وفرض أمر واقع. لا تنتخبوا “الصدريين” ولا المقربين مني بل انتخبوا المستقل النزيه. وإذا قُتلت فلا تثأروا لمقتلي “بل اقرأوا لي الفاتحة وادعوا لي”، واستمرّوا في ثورتكم السلمية بعد مقتلي.
خطاب عراقيّ في اللحظات “الأخيرة” يعلن فيه الصدر عن مشروعه “العراقيّ” وهو في الموقف ذاته، وُضع في قلب المحنة، حيث كلّ خيار ’خر سوى القتل لا يليق به.
ألف لام ميم
جزء من فصول “كتاب المحنة” أن تُستعاد هذه التراجيديا ونحن ننظر ببلاهة منقطعة النظير إلى ما يحدث منتظرين أن يحدث للندب بعدها. وجزء أكبر من تراجيديانا العراقية أن يتمّ التعاطي مع الأمر ببلاهة المدونين الفيسبوكيين الأفذاذ الذين سيجعلون الأمر مادة للتندّر والتهكم والسخرية والضحك الأبله على ما أرى وأقرأ منذ يوم أمس.

أباطرة المال السحت ـ بجنودهم وإعلامييهم ومدوّنيهم المقهقهين ببلاهة بإسلامييهم وعلمانييهم ـ يحيطون بهذه الحركة الاحتجاجية التي هي الأمل الأخير للعراق، فإذا ما قُتل الصدر سيمرّ وقت طويل قبل أن يأتي تراجيديّ آخر ليفتح كتاب المحنة ويدوّن فصلاً جديداً.

بين الجموع الباكية أمس، كان ألمي كبيراً، ليس على مقتدى الصدر، وعلى صدقه الذي لن يصل إلى كثيرين، ولا على سوء الفهم الأبديّ الذي يقابله به الجميع، ولا لمعرفتي بأن خيوط قتله تحاك في الخضراء ودول قريبة، ولا على الوجدان المنكسر لهذه الحشود، بل على هذا العراق الذي يستسلم كثير من أبنائه استسلاماً قدرياً للمحنة.
ألمي كبير كبير.

شاركنا الخبر
آخر الاخبار
آخر الأخبار