زجاج عازل

ريشة سومرية 08 أغسطس 2016 0 247
زجاج عازل
+ = -

ايام رشيد _  بغداد

(لا احد يرانا وكأننا قطع شطرنج زائدة على حاجة اللاعبين)
تقاطع يعج بسيارات فاخرة نوافذها مغلقة كقلوب أصحابها الذين يخافون من نسمة هواء حارة تلامس وجوههم المعتادة على الترف، محلات الملابس بزجاج عازل، مطاعم فخمة تفوح منها رائحة الورد بدلا من رائحة الطعام، والذين يدخلون ليسوا جياعا ولكن كي يعطوا النادل نفحة كبيرة أمام الناس تدل على رفاهيتهم انه الصيف المثير للغثيان, تجلس على الرصيف الملتهب تحاول تفادي الشمس بأوراق شجرة الصفصاف تنظر إلى العلب المرصوفة على حافة الطريق خمس عشرة علبة هي الفترة التي تفصلها عن العودة إلى البيت أو غرفة العائلة المشتركة مع عائلات أخرى في الحي المتهالك، أمها وأختاها التوأم هن كل عائلتها، تردد مع نفسها أغنية لا تعرف أين سمعتها لكنها تتقلب منذ الصباح مثل لبانة بلا طعم في فمها، بائع البالونات يحضر لها وجبة من مطعم شعبي يختبئ في احد الفروع الجانبية, يعرض عليها أن يتولى بيع المناديل لتعود إلى البيت تكرر رفضها مرة بعد مرة فهي تقرأ في عينيه حديثا أخر غير الذي يقوله، تنتظر أن يوقف شرطي المرور السير لأنها تريد إن تنتقل بين السيارات المتحركة فتتعرض لحادث قد يبقيها في البيت أياما عدة قبل أن تتمكن من الخروج إلى العمل مثلما حدث في المرة الماضية حيث كانت الملامة الوحيدة لان ذاك الطائش الذي صدمها لا يعرف أن الذين على الطرقات هم أجزاء بشرية متمسكة بحافة الحياة التي يجلس هو في منتصفها.
وقتها حمدت الله، لأن الكسر في يدها وليس في رجلها وإلا لما استطاعت أن تعمل لفترة طويلة كما انه تكفل بعلاجها وقد اشترى سكوتها.
توقفت سيارة قربها وقد فتحتْ زجاج السيارة السوداء سيدة متوسطة العمر تؤشر إليها تقترب بابتسامة قائلة
-عندي مناديل برائحة الفاكهة ومن دون رائحة أيضا
لم تكلف السيدة نفسها عناء الكلام وقد سأل السائق
-كم علبة معك ؟
-خمس عشرة
ناولتها السيدة مبلغا يفوق معرفتها على العد كانت الأوراق النقدية جديدة ومعطرة برجوازية كصاحبتها تختلف عن بقية النقود التي في حوزتها أو في حوزة البائعين أو المشترين …
تمنت أن يطول الحديث بينهما لتنعم بنسمة الهواء البارد القادم من مكيف السيارة نسمات أعادت الحياة أليها، اخذ السائق العلب وألقاها في صندوق السيارة الخلفي ارتفع زجاج النافذة بينهما كأنه حدود بأسلاك شائكة وحرس وأبراج مراقبة
بقيت سارة متسمرة بضع دقائق قبل تستعيد رشدها وتسير ناحية الحي القديم، وقبل بضع خطوات عن البيت، قامت بإخفاء المبلغ الإضافي وكأنها تحاول الثأر لأنوثتها المهدورة بين الطرقات, تشتري غدا ذلك الثوب الذي لطالما نظرت إليه وحلمت أن يلامس جلدها .
أو ربما ستطلب وجبة من المطعم الفخم لتتذوق طعم طعام حقيقي ولو لمرة في حياتها, فهي تتعرض يوميا إلى الإساءة بكل أنواعها ,ولكي تتجنب أسوأها أصبحت تتشبه بالصبيان .
سارة ذات الستة عشر صيفا قائظا ..والكسر المضاعف في يدها, تعرف أن الحياة يجب أن نتقبلها كما هي, ليست هناك طريق أخرى أمامها، لم يكن باختيار أمها أن تصبح أما لثلاث فتيات لا صبي يدرأ عنهن نار المأساة ,أمها التي هربت واختارت الحياة على الموت غسلا للعار في كل مرة تحتضن سارة لتخبرها أنها ليست خطيئة أبدا، أنها ثمرة حب مطلق قتله الشرق القاسي، تزوجت بعد سنوات عدة من هروبها رجلا طيب القلب فقير الحال منح سارة اسمه لم يكثر بالسؤال عن الماضي اكتفى بلحظته التي يعيشها معها, اكتفى بها حضناً يلم شتاته، فمن غيرها ترضى العيش معه وهو العائد من سجون الظلمة ,لم يكن لصا ولا قاتلا,بل كان يفتح فمه كثيرا عندما غلّقتْ الأفواه ,أنجبت طفلتين قبل أن يتناثر كعطر بانفجار داخل المقهى الذي يعمل فيه ويتركها تطفو مرة أخرى كقشة وسط البحر لكن هذه المرة تحمل القشة ثلاث فتيات.
انزوت في فراشها بعيدا عن الجميع تستعيد ذكريات اليوم الغريب تحس بيد تتحسس جبينها
-لست مريضة أمي ..متعبة فقط
تضع النقود الإضافية بيد أمها
-أنها نفحة من سيدة اشترت جميع العلب دفعة واحدة
ابتعدت الأم من دون أن تنبس بكلمة، سرحت في خيالها تفكر في أنها ربما ستكون يوما ما زوجة لبائع البالونات الذي يكبرها بأعوام عدة وتقاسمه الرصيف تتخيل نفسها في الغرفة ذاتها وأطفالها في المكان البائس يكبرون ..والمكان يضيق يضيق .. يصبح قبرا يضم رفاتهم مكدسة بعضها فوق بعض .

شاركنا الخبر
آخر الأخبار
%d مدونون معجبون بهذه: