fbpx

العلاقات السعودية-التركية: تحول بنية التحالفات الإقليمية

الأثنين 16 مارس 2015
| 1:17 صباحًا | 26 مشاهدة
العلاقات السعودية-التركية: تحول بنية التحالفات الإقليمية
كلمات بحث:

تشكِّل الأوضاع السياسية الداخلية لكل من الرياض وأنقرة، إضافة لوجود عناصر تهديد مشتركة لكل من أمنيهما في إقليم الشرق الأوسط، عاملَيْن مساعدين على بناء تحالف سعودي-تركي مبنيّ على مقاربة لملفات المنطقة، كلّ على حدة؛ بهدف تجاوز نقاط عدم الالتقاء، خصوصًا في الملف المصري. وفي هذا السياق يمكن قراءة زيارة أردوغان للرياض، التي تم التحضير لها عبر مشاورات استمرت لأسابيع.

تمت عملية انتقال السلطة في الرياض ووصول جيل الأحفاد لدفّة الحكم بكل سلاسة واستقرار، كما قام الشعب التركي بتجديد ثقته في حزب العدالة كما هو واضح من الانتخابات المحلية والرئاسية التركية العام الفائت. هذا يعني أن هنالك فريقين في السلطة في كل من الرياض وأنقرة، وسيبقيان طويلًا نسبيًّا. وبناءً على هذا، فإنه لابد لأحدهما من التعامل مع الآخر.

رافق هذا التحول، تحولٌ آخر في العاصمة السعودية؛ فبعد أن كانت أولوية السعودية منقسمة بين معالجة ملف الإخوان والتصدي للتوسع الإيراني، يبدو أن الرياض قد حسمت أولويتها وقررت وضع مجابهة التوسع الإيراني على رأس القائمة. وفتح هذا مجالًا واسعًا لتعاون الرياض مع جماعات الإخوان، كما دلت على ذلك تصريحات وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل التي قال فيها: “ليس لنا أي مشكلة مع الإخوان المسلمين، مشكلتنا فقط مع فئة قليلة تنتمي لهذه الجماعة، هذه الفئة هم من في رقبتهم بيعة للمرشد”. ويدل على ذلك أيضًا وصول وفد من جماعة الإصلاح اليمنية إلى الرياض للتشاور مؤخرًا.

إضافة إلى ذلك، فإن المؤشرات السياسية الداخلية في تركيا تقود إلى الاعتقاد بارتفاع فرص بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة لفترة طويلة نسبيًّا. كما أن هنالك مؤشرات على إدراك تركيا بأن المحور الإقليمي الذي انتظمت فيه مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين يقوم باستهلاك طاقاتها، كما طاقات السعودية لصالح إيران.

وشجّع هذا على بروز محاولات جادة لإيجاد حلول وسط، والتقاء الطرفين في منتصف الطريق، خصوصًا فيما يتعلق بملفَّي الربيع العربي، وتوسع نفوذ إيران. وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن هنالك ملامح لانضمام السعودية إلى المحور القطري-التركي، حيث سيقوم هذا المحور على التعاون في ملفات المنطقة.

مقدمة

للعوامل الداخلية في كل من السعودية وتركيا أثرٌ كبير في التقارب بين البلدين، كما أن هنالك تحديات إقليمية مشتركة. تلك العوامل تزيد من فرص الالتقاء السعودي-التركي حول ملفات عديدة، أهمها: السوري واليمني والإيراني. لكن هنالك عقبات أبرزها اختلاف وجهات النظر حول الملف المصري. وتقودنا هذه العناصر مجتمعة إلى القول بأن هنالك فرص تقارب كبيرة بين البلدين، لكنها تبقى محصورة في التعاون حول كل ملف على حدة، مما يعني ضعف فرص التحالف الاستراتيجي طويل الأمد.

التحولات الداخلية في السعودية

اتسمت الأوضاع السياسية الداخلية في المملكة العربية السعودية منذ العام 1995 وحتى العام 2015 بسمة “الانتقالية”، ما جعل الثقل السياسي للقوى الفاعلة ينصرف بشكل رئيسي إلى المحاولة للتأثير في عملية انتقال السلطة. وشكَّل هذا عاملًا غير مساعد على تركيز قدرات الدولة فيما يتعلق بالتعامل مع الملفات الإقليمية، ما قاد إلى تركيز القادة السعوديين على شؤون بلادهم الداخلية. لكن متغيرات جوهرية قد طرأت على بنية السلطة وطبيعتها في السعودية؛ مما دشّن بداية النهاية للمرحلة الانتقالية.

يُشار هنا، إلى وجود قوانين مكتوبة(1) للأسر المالكة،”كنظام هيئة البيعة في السعودية”، ووجود قوانين غير مكتوبة “التقاليد الملكية”. تاريخيًّا، تستمد الأسرة المالكة السعودية تقاليدها من تجربتين؛ الأولى: تتمثل في نظام معقّد من القيم والتحالفات الذي نشأ كنتيجة مباشرة لفترة حروب توحيد السعودية (1902-1932). والثانية: تتمثل في تجربة الصراع على العرش بين الملكين سعود وفيصل، حيث تشكِّل هاتان التجربتان المصدر الأساسي للتقاليد الملكية السعودية.

لكن ظهور جيل أحفاد الملك عبد العزيز في مسرح السلطة مؤخرًا، يقدِّم أفرادًا لا يرتبطون بهاتين التجربتين. وهذا يعني أننا بصدد زوال تقاليد ملكية -وإن كان بشكل تدريجي- وبداية تقاليد جديدة. وهذا يمثل تغيرًا في طبيعة السلطة.

لقد مثَّل تعيين الأمير محمد بن نايف وليًّا لولي العهد، البداية الرسمية لتوريث جيل أحفاد الملك المؤسِّس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وهذا يمثِّل استقرارًا للسلطة ووضوحًا لخارطتها؛ مما يعني تجييش كامل الطاقات والموارد للتعامل مع الملفات الملحة، مثل: الإصلاح السياسي والاقتصادي داخليًّا، والمناطق المتوترة إقليميًّا ودوليًّا.

يضاف إلى هذه التحولات في طبيعة السلطة وبنيتها، بداية رسم ملامح السياسة الخارجية لفريق الحكم السعودي الجديد. فبينما اتسمت السياسة الخارجية السعودية سابقًا بتأرجحها فيما يخص تحديد الأولوية بين اتباع سياسة الفتور مع جماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، وبين التصدي لصعود النفوذ الإيراني في المنطقة، يبدو أن الفريق الجديد قد حسم أمره في إعطاء الأولوية المطلقة لإيقاف التمدد الإيراني(2).

في المحصلة، هنالك ثلاث نقاط على علاقة بالسياسة الخارجية السعودية الجديدة، بما في ذلك تحالفاتها الإقليمية. أولًا: أعطت نهاية المرحلة الانتقالية في السعودية قدرة على توظيف كامل عناصر قوتها الناعمة والصلبة لحماية مصالحها الإقليمية. ثانيًا: هنالك فرص عالية في استمرار النهج الجديد لفترة طويلة نسبية، وذلك بحكم ارتباط هذا النهج بالفريق الحاكم والذي يتمتع بحظوظ البقاء الطويل إلى حدٍّ ما، ما يعني أن اللاعبين الإقليميين، مثل تركيا، سيضطرون للتعامل معه. ثالثًا: شكّل حسم السعودية لخياراتها، عبر إعطاء الأولوية المطلقة لمجابهة تمدد إيران، منعطفًا حاسمًا في التوازنات الإقليمية. فمن ناحية، لأنه سيؤثر على طبيعة التحركات السعودية؛ ومن أخرى، لأنه أزال العقبة التي كانت تقف حجرة عثرة في العلاقات السعودية إقليميًّا، خصوصًا مع تركيا، والمتمثلة في علاقات السعودية مع جماعة الإخوان المسلمين. وقد صدرت عن السعودية مؤشرات تقود في هذا الاتجاه(3).

إن هذه النقاط الثلاث تشكِّل فرصة قوية للتقارب مع تركيا.

التحولات الداخلية في تركيا

مثّل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، بداية عهد جديد لتركيا على الأصعدة الداخلية، الإقليمية، الدولية. وقد وصل الحزب إلى السلطة في ظل انتخابات جرت وفق الدستور الذي وضعه الجنرال كنعان إيفرين عام 1982، بعد وصوله إلى السلطة إثر انقلاب عسكري قام به عام 1980.

لكن ما إن استقر الحكم للحزب ولرئيسه الفعلي رجب طيب أردوغان (بعد انتخاب أردوغان رئيسًا للجمهورية، تولى رئيس الوزراء أحمد أوغلو رئاسة الحزب)، حتى بدأ سعيه الحثيث إلى إدخال تعديلات دستورية جوهرية، كان أهمها تقليص الدور السياسي لقادة الجيش والأمن في تركيا.

أعقب ذلك، سعي أردوغان إلى تغيير هيكلة السلطة التنفيذية عبر إعطاء صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، على حساب رئيس مجلس الوزراء، ما شكَّل هجينًا من النظام الرئاسي والبرلماني. وعلى الرغم من تعزيز الديمقراطية التركية وتعزيز الثقافة المؤسساتية إلا أن هنالك تأرجحًا قائمًا؛ بسبب الخلط بين ملامح نظام رئاسي يدير فيه رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية، وملامح نظام برلماني، تكون فيه السلطة التنفيذية في يد رئيس مجلس الوزراء. وقد يكون هذا عامل عدم استقرار مستقبلي، على المديين المتوسط والبعيد(4).

لكن كلا الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2014 والرئاسية في أغسطس/آب من العام نفسه، والتي فاز فيها حزب العدالة والتنمية بأغلبية المقاعد، وأردوغان برئاسة الجمهورية، كانتا بمثابة استفتاء على شعبية الحزب ورئيسه الفعلي. وقد قال الشعب التركي كلمته داعمًا الحزب وقائده أردوغان، تحت تأثير النجاحات الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها البلاد.

وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع الصادرات التركية السنوية ما بين عامي 2002 و2013 عشرة أضعاف، مناهزة 152 مليار دولار سنويًّا. حيث وصل الناتج القومي الإجمالي التركي إلى 750 مليار دولار سنويًّا، أي ثلاثة أضعاف ما كان قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى تركيا. كما حصل الاقتصاد التركي على المرتبة 17 عالميًّا. كل ذلك كان سندًا قويًّا للنجاحات الانتخابية المتتالية للحزب(5).

ومن المتوقع أن يترشح أردوغان لولاية ثانية في رئاسة الجمهورية ولعب دور فعّال في الحياة السياسية التركية. كما تشير تحليلات المختصين في الشأن التركي إلى ارتفاع حظوظ حزب العدالة والتنمية في الاحتفاظ بالسلطة لمدى طويل نسبيًّا، مع استمراره في سياسة إعادة تركيا لعمقها التاريخي والثقافي المتمثل في الانخراط بشكل فاعل في الشرق الأوسط. كل هذا يساعد في إقناع دول الإقليم، خصوصًا السعودية، بحتمية التعامل مع اللاعب التركي.

التهديدات المشتركة

تتمثل التهديدات المشتركة في ضعف الدولة المركزية في بلدان الإقليم، وسيادة جو عام من عدم الاستقرار، وصراع الهويات. وهذه هي البيئة المثالية لتمدد اللاعب “غير الدولة”، عماد المشروع الإيراني التوسعي، مثل جماعات الحشد الشعبي في العراق أو جماعة الحوثي في اليمن. وهي كذلك بيئة مثالية لتمدد اللاعب “غير الدولة” الأكثر خطورةً والمعادي لكل من السعودية وتركيا كتنظيمي ما يُطلق عليهما الدولة الإسلامية والقاعدة. كما تمثل سياسة المحاور الإقليمية عاملًا يستهلك نفوذ السعودية وتركيا ويفيد إيران؛ ما يُسهِم دون أدنى شك في إقناع البلدين بضرورة تعاونهما بدل تنافسهما.

بنية النفوذ الإيراني
بحكم عزلة إيران الإقليمية والدولية والعقوبات الاقتصادية الخانقة، لم يعد بإمكانها التحرُّك على الساحة الدولية عبر استخدام أدوات “الدولة الوطنية” (the nation-state)، مما يعني فقدها الفعالية الكافية لاستخدام أدوات النظام الدولي؛ للتأثير على اللاعبين بالساحة الدولية.

وكنتيجة لذلك، لجأت طهران إلى التحرك عبر مفهوم “اللاعب غير الدولة” (the non-state actor)، كالجماعات والأحزاب والتنظيمات، بوصفها أداة بديلة لأدوات النظام الدولي؛ بهدف التأثير في سلوك الدول، سواء في العراق أو في لبنان أو في اليمن، وأيضًا في منطقة الخليج العربي.

الورقة الطائفية كرافعة للتحالف
لكن، إيران تحتاج أن تحتكر امتلاك ورقة رابحة تضمن لها بناء التحالف مع الجماعات والأحزاب، والإشراف على استمراريته من جهة، والقدرة على التأثير فيها وتوجيهها بما يخدم المصالح الإيرانية من جهة أخرى. وعليه، ينبغي أن تكون إيران هي وحدها من يمتلك هذه الورقة، حتى لا تنافسها قوى إقليمية مثل السعودية أو قوى دولية أخرى كالولايات المتحدة الأميركية، على استمالة هذه الجماعات والأحزاب بعيدًا عن طهران.

لقد وجدت إيران ورقتها الرابحة في الخطاب الأيديولوجي الطائفي، كرافعة رئيسية لعلاقتها بهذه الجماعات والأحزاب في المنطقة. بعبارة أخرى، فقد أصبح هذا الخطاب هو الوسيلة الرئيسية لبناء التحالف معها، والوسيلة الفعّالة لتوجيه هذه الجماعات والأحزاب بما يخدم المصالح القومية لإيران.

ارتفاع الإحساس بالهوية الطائفية
بما أن الرافعة الرئيسية لعلاقة إيران بهذه الجماعات والأحزاب، هو خطاب أيديولوجي طائفي، فإنّ الإحساس بالهوية الطائفية يجب أن يكون عاليًا في هذه المناطق، وهذا يعمل على سيادة جو عام من عدم الاستقرار والنزاع، ما يضعف الحكومات المركزية. فلأجل أن تستمر قدرة إيران وحلفائها على الاستقطاب والتوجيه والتأثير، يجب أن يسود مناخ الطائفية والأزمة والصراع وعدم الاستقرار. هكذا تصبح إيران والجماعات والأحزاب المتحالفة معها قادرة على الحركة.

التواجد في دول هشة
وجود هذه الأحزاب والجماعات، وسيادة جو الطائفية، وعدم الاستقرار يأتي على حساب الحكومات المركزية. إذ لا يمكن أن تكون قوية وفاعلة إلا إذا كانت متواجدة في دول ذات حكومات مركزية ضعيفة؛ ولذلك، تحالفات إيران بشكل أساسي تكون في دول هشة، وهذا يعطي طهران نفوذًا على حكومات هذه الدول.

في المحصلة، تتميز مناطق نفوذ إيران وخريطة تحالفاتها في:

    تواجدها في دول ذات حكومات مركزية ضعيفة، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن.
   
سيادة مناخ الطائفية وعدم الاستقرار، كما هو حاصل في العراق حاليًا.

وهذه هي البيئة المثالية لتمدد ما يُدعى بتنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، حيث تتوفر عوامل ضعف الحكومات المركزية وسيادة مناخ الطائفية وعدم الاستقرار. إن ظهور تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة يمثل تبريرًا رئيسيًّا لإيران لتنمية نفوذها عبر “وكلائها” في كلّ من العراق واليمن؛ فكل من ميليشيات الحشد الشعبي وتنظيم الدولة الإسلامية يبرر تواجد إحداهما الأخرى.

تعدد أشكال حضور النفوذ الإيراني
حسب عوامل محددة، كالوقت والاستثمار والظروف الخاصة لكل دولة من الدول التي يتواجد بها النفوذ الإيراني، يمكن التفريق بين طبيعة ذلك النفوذ في العواصم التي تدور في فلكها.

ففي العراق مثلًا، انصبّ استثمار إيران على “البيئة الحاضنة” للنفوذ الإيراني، مثل تخدير مجتمعات بأكملها بالخطاب الطائفي، وبناء عشرات الميليشيات الطائفية؛ ولذلك، عندما احترقت ورقة نوري المالكي، دعمت طهران عملية استبداله بالعبادي. لكن استثمارها في سوريا، في المقابل، هو منصب كليًّا على رئيس النظام السوري بشار الأسد ودائرته الضيقة، دون أن يكون لها حاضنة أبعد من هذه الدائرة. بكلمات أخرى، لا تستطيع إيران القبول بفكرة استبدال الأسد -في الوقت الراهن على الأقل- فنفوذها في دمشق متعلق بمصيره.

كذلك في اليمن، لا توجد حاضنة لنفوذها، بل يوجد تحالف مصلحي مع قائد جماعة الحوثي عبد الملك الحوثي؛ حيث قامت إيران بارتكاب خطأ استراتيجي يمكن استثماره، وهو الاعتماد على أدوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح لصعود الحوثي. وبمجرد سحب أوراق الرئيس المخلوع وحزبه، سيسقط الحوثي. وهذا ما يريده الرئيس المخلوع؛ الرجوع إليه للقيام بذلك؛ حيث يبقى اليمن أكبر من أن تديره ميليشيا بحجم جماعة الحوثي.

 التقارب السعودي-التركي

مع وجود فريقين في الحكم في كل من الرياض وأنقرة، وارتفاع فرص بقائهما لفترة طويلة نسبيًّا في الحكم، تبرز حاجة كل منهما للتعامل مع الآخر. لكن من غير المرجح نشأة تحالف استراتيجي بينهما، وإنما اقتصار التعاون بينهما على الملفات موضع تلاقي وجهات النظر، واتباع نهج تعاون يمكن تسميته “حالة بحالة” (case by case)، فيما يخص هذه الملفات. بكلمات أخرى، من المرجح أن يتعاون البلدان حول كل ملف بشكل منفصل عن الملفات الأخرى.

ولهذا سببان رئيسيان: أولًا: لا يوجد “مبدأ حاكم” ينطلق منه التعاون، وإنما هناك مصالح آنية. غياب المبدأ، مثل العمق الاستراتيجي المشترك الذي يتم بموجبه التعاون بين السعودية والكويت على سبيل المثال، يعني عدم تبني مقاربة عامة تشمل جميع الملفات، أو مجموعة كبيرة منها. فيقتصر التعاون على حالات الالتقاء في المصالح الآنية، وليس المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى. وبناءً على ذلك، فمن المرجح أن يكون التعاون في الملفات فرديًّا ومرتبطًا بحالة إدارة الأزمات أكثر من كونه تعاونًا يشمل مجموعة ملفات بشكل يعالج جذور الأزمات.

ثانيًا، هنالك عوائق حقيقية؛ كاختلاف وجهات النظر حيال الملف المصري أو التعاون مع جماعات الإسلام السياسي. لكن يبقى بمقدور البلدين وضع ملفات عدم الالتقاء جانبًا، والمضي قدمًا نحو التعاون في ملفات الالتقاء.

يضاف إلى ذلك، مسألة الاستراتيجية السعودية، حيث يبدو أن الرياض قد نجحت في إقناع تركيا بها، والتي تتمثل في حرمان إيران من أداتها الرئيسية “اللاعب غير الدولة”، عبر تقوية الحكومات المركزية، والتخفيف من الاستقطاب الحاد وصراع الهويات. وفي المحصلة، احتواء اللاعب “غير الدولة” ومحاصرته، بشقيه: أداة المشروع التوسعي الإيراني من جهة، كفيلق بدر وحزب الله؛ وعدو السعودية وتركيا من جهة أخرى، كتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة.

وتسعى هذه الاستراتيجية لتحقيق أهدافها من خلال أمرين:
أولًا: من خلال إعادة الوهج إلى الحكومات المركزية، عبر تحويل اللعبة السياسية إلى توازن بين النظام والمعارضة، كلاهما من داخل إطار الدولة، وليسا خارجين عنه. بعبارة أخرى، قوة الدولة المركزية تصبح خارج التجاذبات. وهذا ما تسعى له السعودية في اليمن، عبر محاصرة الحوثي إقليميًّا ودوليًّا، وإعادة إحياء المبادرة الخليجية ومساعدة الرئيس عبد ربه في تعزيز مكانته من عدن، وكذلك من خلال التقارب مع الإخوان المسلمين “جماعة الإصلاح”، وتشجيع دولة قطر على القيام بدور رئيسي في تسوية النزاع اليمني والوصول بالبلاد إلى ضفة الاستقرار. ستكون إدارة هذه العملية صعبة، لكنها أسهل وأقل كلفة بكثير، من تمكين إيران عبر وكيلها في اليمن “جماعة الحوثي“.

ثانيًا، تسعى السعودية إلى كسر الاستقطاب الحاد وصراع الهويات عبر عدم التحفظ على أطراف بعينهم كالحوثي، ولكن بشرط أن تكون مشاركته في العملية السياسية من داخل إطار الدولة وشرعيتها، والشرعية الإقليمية والدولية.

وكلا المسعيين، يمكن اعتبارهما مصلحة تركية وقطرية في آنٍ معًا، خصوصًا إذا ما أخذنا مسألة علاقات قطر المتميزة مع جماعة الإخوان المسلمين في الحسبان، والتعدد الإثني والديني التركي. فكلتا الدولتين من حيث البنية والنفوذ يمكن أن تدعما مسعى السعودية؛ لتعزيز الحكومات المركزية والتخفيف من صراع الهويات الفرعية.

تتقاطع المصالح السعودية مع تركيا، أولًا، في احتواء نفوذ إيران، والإمساك بطرفي اللعبة (النظام والمعارضة)؛ مما يعني تقوية الحكومات المركزية، وتحجيم اللاعب “غير الدولة”. ثانيًا، من مصلحة الدول الثلاث (السعودية، تركيا، قطر) محاولة ملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفته الإدارة الأميركية في المنطقة. هذان الأمران سيعززان من قدرة هذه الدول على إدارة ملف الربيع العربي، والتعامل مع الفراغ الذي نتج عن تراجع الدور الأميركي في المنطقة.

يضاف إلى ذلك، ومن الناحية البنيويَّة للنظام الإقليمي، العودة إلى بنية ما قبل الربيع العربي؛ فقد كانت الدول قبل الربيع العربي منتظمة في أحد محورين: محور السعودية، والمكوَّن من مجموعة دول حليفة للرياض، ومحور إيران، والمكوَّن من مجموعة اللاعبين “غير الدولة” وبعض الدول. فلما جاء الربيع العربي، برز محور أو تكتل جديد ضمَّ كلًّا من تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين، لكن استهلاك طاقات هذا التكتل من جهة وكذلك استهلاك طاقة المحور السعودي من جهة ثانية، أفسح المجال أكثر لمحور إيران في التوسع. وعليه، يمكن القول بأنه سيكون ممكنًا الرجوع إلى بنية المحاور الإقليمية المبنية على فكرة “ثنائية البُنية الإقليمية”، وذلك في ظل التقارب السعودي-التركي.

خاتمة

مع وجود فريقين في السلطة في كل من الرياض وأنقرة، يبدو أن الطرفين قد أدركا أن كليهما سيبقى في السلطة لفترة طويلة نسبيَّا، وأنه لابد من تعامل أحدهما مع الآخر. يبدو جليًّا أن إمكانيات فرص التعاون تتزايد بين الطرفين، لكنه تعاون لا يرتقي لدرجة التحالف الاستراتيجي، وإنما يبقى تعاونًا حول الملفات ذات الاهتمام المشترك.

يتبنى هذا التقارب بين الطرفين السعودي والتركي، هدف تعزيز الحكومات المركزية والتخفيف من حدة صراع الهويات الفرعية؛ من أجل إضعاف اللاعب “غير الدولة”، الذي يعتبر بمثابة أداة المشروع التوسعي الإيراني، كفيلق بدر وحزب الله، ومصادر التهديد الرئيسية كتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة. كل ذلك يمر من خلال تحويل اللعبة السياسية إلى توازن بين الأنظمة والمعارضة في الدول الهشة؛ حيث يبقى كلاهما في داخل إطار الدولة، وليسا خارجين عنه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشوائياً
الأكثر تعليقا
More
جميع حقوق محفوظة لوكالة انباء حريتي المعتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم (1563)